القرطبي

45

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وأخيضر ، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض ؟ قالوا : يا رسول اللّه ، كأنك كنت ترعى بالبادية ! قال : « فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللّه الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، ثم يقول : ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربّنا وأيّ شيء أفضل من هذا ؟ فيقول رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا » « 1 » . وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب « الديباج » له ؛ حدّثنا أحمد بن أبي الحارث قال : حدّثنا عبد المجيد بن أبي رواد ، عن معمر بن راشد ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا فرغ اللّه من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش ؛ إن رحمتي سبقت غضبي ، فأنا أرحم الراحمين . قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة ، أو قال مثلي أهل الجنة - قال : وأكثر ظني أنه قال مثلي أهل الجنة ، مكتوب بين أعينهم عتقاء اللّه » « 2 » . فصل هذا الحديث بيّن أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيّناه في آخر سورة آل عمران من كتاب « جامع أحكام القرآن » . فإن قوله : « أخرجوا من في قلبه مثقال دينار ونصف دينار وذرّة » ؛ يدل على ذلك . وقوله : « من خير » ؛ يريد : إيمان . وكذلك ما جاء ذكره في الخير في حديث قتادة عن أنس : « وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ما يزن برة ، ما يزن ذرة » أي : من الإيمان ، بدليل الرواية الأخرى التي رواها معبد بن هلال العنزي ، عن أنس ، وفيها : « فأقول يا ربّ أمتي أمتي » فيقال : « انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل » الحديث بطوله ، أخرجه مسلم . فقوله : « من إيمان » أي : من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح ، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان . ومنه قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] أي : صلاتكم . وقد قيل : إن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب ؛ كأنه يقول : أخرجوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7439 ) . ( 2 ) إسناده ضعيف ، والحديث أخرجه ابن أبي داود في « البعث » رقم ( 52 ) ، وقال الشيخ الحويني هناك : « إسناده حسن في الشواهد » .